مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
329
تفسير مقتنيات الدرر
قوله : * ( [ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ ] ) * والخوف والفزع الَّذي دخله من الرسل * ( [ وَجاءَتْه ُ الْبُشْرى ] ) * بالولد * ( [ يُجادِلُنا ] ) * أي يجادل رسلنا ويسألهم عن قوم لوط ، وتلك المجادلة أنّه قال لهم : إن كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونهم ؟ قالوا : لا قال : فأربعون ؟ قالوا : لا . فما زال بنقص ويقولون : « لا » حتّى قال : فواحد ؟ قالوا : « لا » فاحتجّ عليهم بلوط . وأعلم أنّ هذه المجادلة من إبراهيم - ومقصوده منها التخفيف لهم في حكم العذاب - لاحتمال أن يتوبوا لا لكونه ما كان راضيا بقضاء اللَّه ويطلب من الرسل مخالفة أمر اللَّه ، والدليل عليه أنّه سبحانه مدحه عليه السّلام بقوله : * ( [ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاه ٌ مُنِيبٌ ] ) * ولو كان هذا الجدل غير هذا لما ذكر عقيبه ما يدلّ على المدح العظيم أو كانت المجادلة بسبب مقام لوط فيهم . وبالجملة لمّا رأى وعلم أنّ مجيء الملائكة لأجل إهلاك قوم لوط عظم حزنه بسبب ذلك وأخذ يتأوّه عليه فلذلك وصفه اللَّه بهذه الصفة ووصفه بأنّه منيب وراجع إلى اللَّه . فقالت الملائكة له : * ( [ يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ ] ) * هذه المجادلة لأنّه * ( [ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ] ) * بإيصال العذاب بهم ، ولا سبيل إلى دفعه عنهم وآتيهم العذاب لا محالة . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 77 ] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 ) فانطلقوا الرسل من عند إبراهيم إلى لوط - وبين القريتين أربع فراسخ - ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم ، وكانوا في غاية الحسن ولم يعرف لوط أنّهم من الملائكة وظنّ أنّهم من الإنس فخاف عليهم خبث قومه وأيضا ساءه مجيئهم لأنّه ما كان يجد ما ينفقه عليهم وأيضا ساءه لأنّ قومه منعوه من إدخال الضيف داره . * ( [ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ] ) * الذراع يوضع موضع الطاقة والأصل في معناه أنّ البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوته فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف ومدّ عنقه فيقال : ما لي به ذرع أي ما لي به طاقة . وقال : إنّ هذا اليوم عصيب عليّ